آخر ألأخبار »

حين يتحول الفراغ إلى أذى

حين يتحول الفراغ إلى أذى



✏️ فايز الحماطي ابوحمزة 

ثمة علاقة خفية بين الفراغ الداخلي وبين الميل إلى إيذاء الآخرين؛ فكلما امتلأت حياة الإنسان بالمعنى والعمل والإنجاز، ضاق وقته عن تتبع الناس، والتلصص على أخبارهم، والانشغال بمناكفاتهم الصغيرة.

النفوس المنشغلة بالبناء لا تملك رفاهية الهدم، والعقول الممتلئة بالأهداف لا تتسع كثيراً للضغائن والخصومات العابرة. أما أولئك الذين يعيشون بلا رسالة حقيقية، فإنهم غالباً ما يبحثون عن دور بديل في حياة الآخرين؛ فيراقبون، ويحرضون، وينقلون الكلام، ويقتاتون على التفاصيل الهامشية، وكأنهم يحاولون سد فراغهم الداخلي بضجيج الخصومات.


ولذلك لم يكن عبثاً أن يذمّ هذا النموذج الإنساني بقوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فالهمز واللمز والنميمة ليست مجرد أخطاء سلوكية عابرة، بل تعبير عن خلل أعمق في النفس؛ إذ إن الإنسان السوي، حين يمتلك مشروعا حقيقياً في حياته، ينصرف بطبيعته إلى تطوير ذاته، لا إلى تقويض الآخرين.


ومن دقة الهدى النبوي أن النبي ﷺ اختصر معيار الرقي الأخلاقي والنضج النفسي في قوله: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» إن الانشغال الدائم بالناس، ومراقبة نجاحاتهم، والبحث عن عثراتهم، ليس ذكاءً اجتماعياً كما يتوهم البعض، بل استنزاف بطيء للعمر والروح. فالحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات الصغيرة، وأكبر من أن تتحول إلى ساحة لتصفية الضغائن الشخصية، وقد لخص المتنبي هذه الحقيقة بعبقرية حين قال:

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً

تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ


فأصحاب النفوس الكبيرة منشغلون بأحلامهم، ومشاريعهم، وطموحاتهم الثقيلة، ولذلك تبدو المعارك الصغيرة تافهة في أعينهم. أما الفارغ، فإنه يحاول دائماً أن يصنع لنفسه أهمية مؤقتة عبر التدخل في شؤون الآخرين، ولو بالأذى والإشاعات وإثارة الفتن.

إن أخطر أنواع الفراغ ليس فراغ الوقت، بل فراغ المعنى، لأن الإنسان حين يفقد هدفه الحقيقي، قد يتحول — من حيث لا يشعر — إلى عبء على محيطه، يستهلك طاقته في الهدم بدل البناء، وفي تتبع الناس بدل تطوير نفسه.


ولهذا فإن أعظم حماية أخلاقية للإنسان ليست فقط في الوعظ، بل في أن يمتلك رسالة، وعملًا، وهدفًا كبيرًا يملأ قلبه وعقله؛ فالأرواح العظيمة لا تنحدر بسهولة إلى سفاسف الأمور، لأنها ببساطة… مشغولة بما هو أكبر.

تعليقات