نصيحتي لا تكن سبباً في قطع أرزاق الناس
كتب / فايز احمد الحماطي
ليس كل من امتلك سلطة أحسن استخدامها، ولا كل من تولى مسؤولية أدرك أن ما بين يديه أمانة سيسأل عنها أمام الله قبل أن يحاسبه الناس. فالقيادة في الإسلام ليست امتيازًا يمنح صاحبه حق التصرف في شؤون الناس كيف يشاء، وإنما هي تكليف ثقيل يقوم على العدل، والرحمة، وصيانة الحقوق، وإقامة النظام.
ومن أشد صور الظلم أن يتحول المنصب إلى وسيلة للإضرار بالناس وقطع أرزاقهم بغير حق، أو خارج الأطر النظامية التي تنظم عمل المؤسسات العسكرية والمدنية. فالراتب ليس منحة يمنحها المسؤول متى شاء ويمنعها متى شاء، وإنما هو حق مالي مستحق وفق الأنظمة، ورزق ساقه الله إلى صاحبه بأسباب مشروعة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا يسقط بسبب الخلافات أو الخصومات، بل يبقى واجبًا حتى مع من أخطأ أو قصر، لأن العقوبات في الإسلام والأنظمة الحديثة لا تبنى على الأهواء، وإنما على إجراءات تحقق العدالة وتصون الحقوق.
وقد وضع النبي ﷺ قاعدة عظيمة لكل من تولى أمرًا من أمور المسلمين، فقال:
«اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به.» (رواه مسلم).
وهذا الحديث ليس دعوة إلى التساهل في تطبيق النظام، وإنما دعوة إلى العدل والرحمة، وأن تكون السلطة وسيلة للإصلاح لا للإضرار، ولإقامة النظام لا للانتقام.
ولم يكن رسول الله ﷺ يعالج الأخطاء بالعقوبات المتعجلة، بل كان يبدأ بالنصح والتوجيه، ويوازن بين حفظ هيبة النظام ومراعاة أحوال الناس. وعلى النهج نفسه سار الخلفاء الراشدون، فكانوا يحاسبون الولاة والقادة إذا ظلموا أحدًا، ويعتبرون أن هيبة الدولة لا تتحقق بالبطش، وإنما بإقامة العدل.
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه كان يوصي عماله بتقوى الله والعدل بين الناس، ويحاسب من يثبت تجاوزه لحقوق الرعية. وقد اشتهر عنه قوله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”، وإن كان هذا الأثر مختلفًا في بعض تفاصيل إسناده، إلا أن معناه في منع الظلم تؤيده النصوص الشرعية الكثيرة.
وفي المؤسسات العسكرية الاحترافية حول العالم، لا تُبنى العقوبات على الانفعال أو الاجتهاد الشخصي، بل تمر بإجراءات نظامية تبدأ بالتحقيق، وسماع أقوال الطرف المعني، ثم تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في اللوائح، مع حفظ حق التظلم. وهذا هو جوهر الانضباط الحقيقي؛ عدالة في الإجراءات، وحزم في التطبيق، بعيدًا عن التعسف.
إن قطع راتب منتسب بغير سند نظامي لا يقتصر أثره عليه وحده، بل يمتد إلى أسرته وأطفاله ومن يعولهم. وقد يكون بينهم مريض ينتظر علاجًا، أو طالب علم يعتمد على ذلك الدخل، أو أسرة لا مورد لها سواه. لذلك فإن الحكمة تقتضي معالجة الخطأ بأقل قدر من الضرر، ما دام النظام يتيح وسائل إصلاح أخرى تحقق الانضباط وتحفظ الحقوق.
وليتذكر كل مسؤول قول النبي ﷺ:
«اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.»
(متفق عليه).
فالمناصب لا تدوم، والسلطات تزول، أما الحقوق فإنها باقية، وسيقف الجميع بين يدي الله، لا فرق بين قائد وجندي، ولا بين مسؤول ومرؤوس، إلا بما قدم كل واحد من عدل أو ظلم.
إن القائد الناجح ليس من يخشاه الناس، بل من يثقون بعدله. وليس من يكثر العقوبات، بل من يحسن إدارة الرجال، ويقيم النظام دون أن يهدر الحقوق، ويجمع بين قوة القرار وعدالة التنفيذ. فمن ولاه الله أمر الناس فليتق الله فيهم، وليكن سببًا في حفظ أرزاقهم وصيانة كرامتهم، لا سببًا في ظلمهم وقطع أسباب معيشتهم، فإن العدل أساس الملك، والرحمة سبب البركة، ودعوة المظلوم لا يحجبها عن الله حاجب.

علق ولاتتردد بمافي في نفسك سيكون الجميع هنا ،في موضع نقاش للتناصح وتصحيح الأخطاء